فصل: تفسير الآيات (18- 20):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم



.تفسير الآيات (9- 12):

{إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (9) وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الْأَوَّلِينَ (10) وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (11) كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ (12)}
{إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذكر} ردٌّ لإنكارهم التنزيلَ واستهزائِهم برسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك وتسليةٌ له، أي نحن بعِظَم شأنِنا وعلوِّ جنابنا نزلنا ذلك الذكرَ الذي أنكروه وأنكروا نزولَه عليك ونسبوك بذلك إلى الجنون وعَمَّوا مُنزِّله، حيث بنوَا الفعلَ للمفعول إيماءً إلى أنه أمرٌ لا مصدرَ له وفعلٌ لا فاعلَ له {وَإِنَّا لَهُ لحافظون} من كل ما لا يليق به، فيدخل فيه تكذيبُهم له واستهزاؤُهم به دخولاً أولياً فيكون وعيداً للمستهزئين، وأما الحفظُ عن مجرد التحريفِ والزيادة والنقصِ وأمثالِها فليس بمقتضى المقام، فالوجهُ الحملُ على الحفظ من جميع ما يقدح فيه من الطعن فيه والمجادلةِ في حقّيته، ويجوزُ أن يراد حفظُه بالإعجاز دليلاً على التنزيل من عنده تعالى إذ لو كان من عند غير الله لتطرّق عليه الزيادةُ والنقصُ والاختلاف، وفي سبك الجملتين من الدلالة على كمال الكبرياءِ والجلالة وعلى فخامة شأنِ التنزيل ما لا يخفى، وفي إيراد الثانيةِ بالجملة الاسمية دلالةٌ على دوام الحفظِ والله سبحانه أعلم، وقيل: الضمير المجرورُ للرسول صلى الله عليه وسلم كقوله تعالى: {والله يَعْصِمُكَ مِنَ الناس} وتأخيرُ هذا الكلام وإن كان جواباً عن أول كلامِهم الباطلِ، ورداً له لما ذكر آنفاً ولارتباطه بما يعقُبه من قوله تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلنَا} أي رسلاً، وإنما لم يُذكر لدلالة ما بعده عليه {مِن قَبْلِكَ} متعلقٌ بأرسلنا أو بمحذوف هو نعتٌ للمفعول المحذوفِ أي رسلاً كائنةً من قبلك {فِى شِيَعِ الأولين} أي فِرَقِهم وأحزابهم جمع شيعة، وهي الفِرقةُ المتّفقة على طريقة ومذهب، من شاعه إذا تبِعه، وإضافتُه إلى الأولين من إضافة الموصوفِ إلى صفته عند الفرّاء، ومن حذف الموصوف عند البصريين أي شيعِ الأممِ الأولين، ومعنى إرسالِهم فيهم جعلُ كل منهم رسولاً فيما بين طائفةٍ منهم ليتابعوه في كل ما يأتي ويذر من أمور الدين.
{وَمَا يَأْتِيهِم مّن رَّسُولٍ} المرادُ نفيُ إتيانِ كل رسولٍ لشيعته الخاصة به لا نفيُ إتيان كل رسول لكل واحدة من تلك الشيعِ جميعاً، أو على سبيل البدلِ، وصيغةُ الاستقبال لاستحضار الصورةِ على طريقة حكايةِ الحالِ الماضية، فإن (ما) لا تدخل في الأغلب على مضارع إلا وهو في معنى الحال، ولا على ماض إلا وهو قريب من الحال، أي ما أتى شيعةً من تلك الشيعِ رسولٌ خاصٌّ بها {إِلاَّ كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِؤون} كما يفعله هؤلاء الكفرةُ، والجملة في محل النصب على أنها حال مقدّرة من ضمير المفعول في يأتيهم إذا كان المرادُ بالإتيان حدوثَه، أو في محل الرفع على أنها صفةُ رسول فإنه محلَّه الرفعُ على الفاعلية، أي إلا رسولٌ كانوا به يستهزؤون، وأما الجرُّ على أنها صفةٌ باعتبار لفظِه فيُفضي إلى زيادة (من) الاستغراقيةِ في الإثبات ويجوز أن يكون منصوباً على الوصفية بأن يقدَّر الموصوفُ منصوباً على الاستثناء وإن كان المختارُ الرفعَ على البدلية.
وهذا كما ترى تسليةٌ لرسول الله صلى الله عليه وسلم بأن هذه عادةُ الجهال مع الأنبياء عليهم السلام، وحيث كان الرسولُ مصحوباً بكتاب من عند الله تعالى تضمّن ذكرُ استهزائِهم بالرسول استهزاءَهم بالكتاب ولذلك قيل: {كذلك} إشارةٌ إلى ما دل عليه الكلام السابقُ من إلقاء الوحي مقروناً بالاستهزاء، أي مثلَ ذلك السَّلْكِ الذي سلكناه في قلوب أولئك المستهزئين برسلهم وبما جاءوا به من الكتب {نَسْلُكُهُ} أي الذكرَ {فِى قُلُوبِ المجرمين} أي أهل مكةَ أو جنسُ المجرمين، فيدخلون فيه دخولاً أولياً، ومحلُّه النصبُ على أنه نعتٌ لمصدر محذوف أو حالٌ منه، أي نسلكه سَلْكاً مثلَ السلك أو نسلك السَّلكَ حال كونِه مثلَه أي مقروناً بالاستهزاء، غيرَ مقبول لما تقتضيه الحكمةُ فإنهم من أهل الخِذلان ليس لهم استحقاقٌ لقبول الحقِّ، وصيغةُ المضارع لكون المشبَّه به مقدماً في الوجود وهو السِّلك الواقعُ في الأمم السالفة، أو للدِلالة على استحضار الصورةِ، والسَّلْكُ إدخالُ الشيء في آخرَ، يقال: سَلكتُ الخيطَ في الإبرة والرمحَ في المطعون.

.تفسير الآيات (13- 17):

{لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ (13) وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ (14) لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ (15) وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ (16) وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ (17)}
{لاَ يُؤْمِنُونَ بِهِ} أي بالذكر، حالٌ من ضمير نسلكه أي غيرَ مؤمَنٍ به، أو بيانٌ للجملة السابقة فلا محل لها، وقد جُعل الضميرُ للاستهزاء فيتعين البيانيةُ إلا أن يُجعل الضميرُ المجرورُ أيضاً له، على أن الباء للملابسة أي نسلك الاستهزاءَ في قلوبهم حالَ كونِهم غيرَ مؤمنين بملابسته، والحالُ إما مقدّرةٌ أو مقارنة للإيذان بأن كفرَهم مقارِنٌ للإلقاء كما في قوله تعالى: {فَلَمَّا جَاءهُم مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ} {وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الأولين} أي قد مضت طريقتهم التي سنها الله تعالى في إهلاكهم حين فعلوا ما فعلوا من التكذيب والاستهزاءِ، وهو استئنافٌ جيء به تكملةً للتسلية وتصريحاً بالوعيد والتهديد.
{وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم} أي على هؤلاء المقترِحين المعاندين {بَاباً مِنَ السماء} أي باباً ما، لا باباً من أبوابها المعهودة كما قيل، ويسرنا لهم الرُّقيَّ والصعودَ إليه {فَظَلُّواْ فِيهِ} في ذلك الباب {يَعْرُجُونَ} بآلة أو بغيرها ويرون ما فيها من العجائب عِياناً كما يفيده الظلول، أو فظل الملائكةُ الذين اقترحوا إتيانَهم يعرُجون في ذلك الباب وهم يرَونه عياناً مستوضحين طولَ نهارهم.
{لَقَالُواْ} لفرط عنادِهم وغلوِّهم في المكابرة وتفاديهم عن قَبول الحق {إِنَّمَا سُكّرَتْ أبصارنا} أي سُدّت من الإحساس من السُكر كما يدل عليه القراءةُ بالتخفيف، أو حُيِّرت كما يعضُده قراءة من قرأ: {سكرت} أي حارت.
{بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَّسْحُورُونَ} قد سحَرنا محمد صلى الله عليه وسلم كما قالوه عند ظهورِ سائرِ الآياتِ الباهرة، وفي كلمتي الحصر والإضراب دلالةٌ على أنهم يبتون القولَ بذلك، وأن ما يرَونه لا حقيقةَ له وإنما هو أمر خُيِّل إليهم بالسحر، وفي اسميةِ الجملة الثانيةِ دَلالةٌ على دوام مضمونِها، وإيرادُها بعد تسكير الأبصارِ لبيان إنكارِهم لغير ما يرونه بعيونهم، فإن عروجَ كل منهم إلى السماء وإن كان مرئياً لغيره فهو معلوم بطريق الوجدانِ مع قطع النظرِ عن الأبصار، فهم يدعون أن ذلك نوعٌ آخرُ من السحر غيرُ تسكير الأبصار.
{وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السماء بُرُوجًا} قصوراً ينزلها السيارات، وهي البروجُ الاثنا عشر المشهورةُ المختلفةُ الهيئاتِ والخواصِّ حسبما يدل عليه الرصْدُ والتجرِبة مع ما اتفق عليه الجمهور من بساطة السماء، والجعلُ إن جُعل بمعنى الخلق والإبداعِ وهو الظاهرُ فالجار متعلقٌ به، وإن جعل بمعنى التصييرِ فهو مفعولٌ ثانٍ له متعلقٌ بمحذوف أي جعلنا بروجاً كائنة في السماء {وزيناها} أي السماء بتلك البروجِ المختلفةِ الأشكال والكواكب سياراتٍ كانت أو ثوابتَ {للناظرين} إليها، فمعنى التزيينِ ظاهرٌ، أو للمتفكرين المعتبرين المستدلين بذلك على قدرة مقدّرها وحكمةِ مدبرّها، فتزيينُها بترتيبها على نظام بديع مستتبعٍ للآثار الحسنة.
{وحفظناها مِن كُلّ شيطان رَّجِيمٍ} مَرْميَ بالنجوم فلا يقدر أن يصعَدَ إليها ويوسوسَ في أهلها ويتصرّفَ فيها ويقفَ على أحوالها.

.تفسير الآيات (18- 20):

{إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ (18) وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ (19) وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ (20)}
{إِلاَّ مَنِ استرق السمع} محلُّه النصبُ على الاستثناء المتصل إنْ فسّر الحِفظُ بمنع الشياطين عن التعرّضِ لها على الإطلاق والوقوفِ على ما فيها في الجملة، أو المنقطعِ إن فُسر ذلك بالمنع عن دخولها والتصرف فيها. عن ابن عباس رضي الله عنهما: أنهم كانوا لا يحجبون عن السموات، فلما وُلد عيسى عليه السلام مُنعوا من ثلاث سموات، ولما ولد النبي صلى الله عليه وسلم مُنِعوا من السموات كلِّها واستراقُ السمعِ اختلاسُه سرًّا، شُبّه به خَطفتُهم اليسيرةُ من قُطّان السمواتِ بما بينهم من المناسبة في الجوهر، أو بالاستدلال من الأوضاع {فَأَتْبَعَهُ} أي تبعه ولحِقه {شِهَابٌ} لهبٌ محروقٌ وهو شعلةُ نارٍ ساطعةٌ، وقد يطلق على الكواكب والسِّنان لما فيهما من البريق {مُّبِينٌ} ظاهرٌ أمرُه للمبصرين. قال معمر: قلت لابن شهاب الزهري: أكان يرمى بالنجوم في الجاهلية؟ قال: نعم، وإن النجم ينقضّ ويرمى به الشيطانُ فيقتلُه أو يخبِلُه لئلا يعود إلى استراق السمع، ثم يعود إلى مكانه، قال: أفرأيت قوله تعالى: {وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مقاعد} الآية، قال: غُلّظت وشُدّد أمرُها حين بعث رسولُ الله صلى الله عليه وسلم. قال ابن قتيبة: إن الرجمَ كان قبل مبعثِه عليه الصلاة والسلام، ولكن لم يكن في شدة الحِراسة كما بعدَ مبعثِه عليه الصلاة والسلام، قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: إن الشياطينَ يركَبُ بعضُهم بعضاً إلى السماء الدنيا يسترقون السمعَ من الملائكة، فيُرمَون بالكواكب فلا يخطِىء أبداً، فمنهم من يُحرق وجهُه وجنبُه ويدُه حيث يشاء الله تعالى، ومنهم من يخبِلُه فيصير غُولاً فيُضل الناس في البوادي. قال القرطبي: اختلفوا في أن الشهاب هل يقتُل أم لا؟ قال ابن عباس رضي الله عنهما: يجرَح ويحرِق ويخبِلُ ولا يقتُل، وقال الحسن وطائفةٌ: يقتل، قال: والأول أصح.
{والأرض مددناها} بسطناها، وهو بالنصب على الحذف على شريطة التفسير، ولم يُقرأ بالرفع لرجحان النصب للعطف على الجملة الفعلية، أعني قوله تعالى: {وَلَقَدْ جَعَلْنَا} الخ، وليوافِقَ ما بعده، أعني قوله تعالى: {وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رواسي} أي جبالاً ثوابتَ، وقد مر بيانه في أول الرعد {وَأَنبَتْنَا فِيهَا} أي في الأرض أو فيها وفي رواسيها {مِن كُلّ شيء مَّوْزُونٍ} بميزان الحِكمة ذاتاً وصفةً ومقداراً، وقيل: ما يوزن من الذهب والفضة وغيرِهما أو من كل شيءٍ مستحسَنٍ مناسب، أو ما يوزن ويُقدَّر من أبواب النعمة.
{وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا معايش} ما تعيشون به من المطاعم والملابسِ وغيرِهما مما يتعلق به البقاءُ، وهي بياء صريحة، وقرئ بالهمزة تشبيهاً له بالشمائل {وَمَن لَّسْتُمْ لَهُ برازقين} عطف على معايش أو على محل لكم، كأنه قيل: جعلنا لكم معايشَ وجعلنا لكم مَنْ لستم برازقيه من العِيال والمماليك والخدَم والدوابِّ وما أشبهها على طريقة التغليب، وذِكرُهم بهذا العنوان لرد حسبانُهم أنهم يَكْفون مؤناتِهم، ولتحقيق أن الله تعالى هو الذي يرزقهم وإياهم، أو وجعلنا لكم فيها معايشَ ولمن لستم له برازقين.

.تفسير الآيات (21- 23):

{وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ (21) وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ (22) وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ (23)}
{وَإِن مّن شَىْء} إن للنفي ومن مزيدة للتأكيد وشيءٍ في محل الرفع على الابتداء، أي ما من شيء من الأشياء الممكنةِ، فيدخُل فيه ما ذكر دخولاً أولياً {إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ} الظرفُ خبرٌ للمبتدأ، وخزائنُه مرتفعٌ به على أنه فاعله لاعتماده، أو خبر له، والجملة خبر للمبتدأ الأول، والخزائنُ جمع الخِزانة وهي ما يحفظ فيه نفائسُ الأموال لا غيرُ، غلَب في العرف على ما للملوك والسلاطينِ من خزائن أرزاقِ الناس، شُبِّهت مقدوراتُه تعالى الفائتةُ للحصر المندرجةُ تحت قدرتِه الشاملة في كونها مستورةً عن علوم العالمين ومصونةً عن وصول أيديهم مع كمال افتقارِهم إليها ورغبتِهم فيها، وكونِها مهيأةً متأتّيةً لإيجاده وتكوينه، بحيث متى تعلقت الإرادةُ بوجودها وُجدت بلا تأخر بنفائس الأموالِ المخزونةِ في الخزائن السلطانيةِ فذكرُ الخزائن على طريقة الاستعارةِ التخييلية {وَمَا نُنَزّلُهُ} أي ما نُوجِد وما نكوّن شيئاً من تلك الأشياء ملتبساً بشيء من الأشياء {إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ} أي إلا ملتبساً بمقدار معينٍ تقتضيه الحِكمةُ وتستدعيه المشيئةُ التابعة لها، لا بما تقتضيه القدرةُ فإن ذلك غيرُ متناهٍ، فإن تخصيصَ كل شيء بصفة معينةٍ وقدرٍ معين ووقتٍ محدود دون ما عدا ذلك، مع استواء الكلِّ في الإمكان واستحقاقِ تعلّقِ القدرة به، لابد له من حكمة تقتضي اختصاصَ كلَ من ذلك بما اختص به، وهذا البيانُ سرُّ عدمِ تكوينِ الأشياء على وجه الكثرة حسبما هو في خزائن القدرة، وهو إما عطفٌ على مقدر أي ننزله وما ننزله الخ، أو حالٌ مما سبق أي عندنا خزائنُ كل شيءٍ، والحال أنا ما ننزِّله إلا بقدر معلوم، فالأول لبيان سعةِ القدرةِ والثاني لبيان بالغِ الحِكمة، وحيث كان إنشاءُ ذلك بطريق التفضّل من العالم العلويِّ إلى العالم السفلي كما في قوله تعالى: {وَأَنزَلَ لَكُمْ مّنَ الأنعام ثمانية أزواج} وكان ذلك بطريق التدريج عبّر عنه بالتنزيل، وصيغةُ المضارع للدلالة على الاستمرار.
{وَأَرْسَلْنَا الرياح} عطفٌ على جعلنا لكم فيها معايشَ، وما بينها اعتراضٌ لتحقيق ما سبق وترشيحِ ما لحِق أي أرسلنا الرياح {لَوَاقِحَ} أي حواملَ، شُبّهت الريحُ التي تجيء بالخير من إنشاء سحابٍ ماطرٍ بالحامل كما شُبّه بالعقيم ما لا يكون كذلك، أو ملقِّحاتٍ بالشجر والسحابِ، ونظيره الطوائحُ بمعنى المُطيحات في قوله:
ومختبطٍ مما تُطيح الطوائحُ

أي المهلِكات، وقرئ: {وأرسلنا الريحَ} على إرادة الجنس {فَأَنزَلْنَا مِنَ السمآء} بعد ما أنشأنا بتلك الرياحِ سحاباً ماطراً {مَاء فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ} أي جعلناه لكم سُقياً وهو أبلغُ من سقيناكموه، لما فيه من الدِلالة على جعل الماءِ معداً لهم ينتفعون به متى شاءوا {وَمَآ أَنْتُمْ لَهُ بخازنين} نفى عنهم ما أثبته لجنابه بقوله: {وَإِن مّن شيء إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ} كأنه قيل: نحن القادرون على إيجاده وخزْنِه في السحاب وإنزاله وما أنتم على ذلك بقادرين، وقيل: ما أنتم بخازنين له بعدما أنزلناه في الغُدران والآبارِ والعيون، بل نحن نخزنُه فيها لنجعلَها سقياً لكم مع أن طبيعةَ الماء تقتضي الغَوْر.
{وَإنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي} بإيجاد الحياةِ في بعض الأجسام القابلةِ لها {وَنُمِيتُ} بإزالتها عنها، وقد يُعمِّم الإحياءُ والإماتة لما يشمل الحيوانَ والنباتَ، وتقديمُ الضميرِ للحصر، وهو إما تأكيدٌ للأول أو مبتدأٌ خبرُه الفعلُ، والجملةُ خبرٌ لإنا، ولا يجوز كونُه ضميرَ الفصل لا لأن اللام مانعةٌ من ذلك كما قيل، فإن النحاة جوزوا دخولَ لام التأكيدِ على ضمير الفصل كما في قوله تعالى: {إِنَّ هذا لَهُوَ القصص الحق} بل لأنه لم يقع بين اسمين {وَنَحْنُ الوارثون} أي الباقون بعد فناءِ الخلقِ قاطبةً، المالكون للملك عند انقضاءِ زمان المُلك المجازيِّ، الحاكمون الكلَّ أولاً وآخراً، وليس لهم إلا التصرفُ الصُّوريُّ والملكُ المجازي، وفيه تنبيهٌ على أن المتأخّرَ ليس بوارث للمتقدم كما يتراءى من ظاهر الحال.

.تفسير الآيات (24- 26):

{وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ (24) وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (25) وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (26)}
{وَلَقَدْ عَلِمْنَا المستقدمين مِنكُمْ} مَنْ تقدّم منكم ولادةً وموتاً {وَلَقَدْ عَلِمْنَا المستخرين} من تأخر ولادةً وموتاً أو من خرج من أصلاب الآباءِ ومن لم يخرُجْ بعدُ، أو مَنْ تقدم في الإسلام والجهاد وسبق إلى الطاعة ومن تأخر في ذلك، لا يخفى علينا شيء من أحوالكم، وهو بيانٌ لكمال علمِه بعد الاحتجاج على كمال قدرتِه، فإن ما يدل عليها دليلٌ عليه، وفي تكرير قوله تعالى: {وَلَقَدْ عَلِمْنَا} ما لا يخفى من الدلالة على كمال التأكيدِ، وقيل: «رغّب رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصف الأول فازدحموا عليه فنزلت»، وقيل: «إن امرأةً حسناءَ كانت تصلي خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم فتقدم بعضُ الناس لئلا يراها وتأخر آخرون ليرَوْها فنزلت»، والأول هو المناسب لما سبق وما لحق من قوله تعالى: {وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ} أي للجزاء، وتوسيطُ ضميرِ العظمةِ للدلالة على أنه هو القادرُ على حشرهم والمتولِّي له لا غيرُ، لأنهم كانوا يستبعدون ذلك ويستنكرونه ويقولون: مَنْ يحيي العظامَ وهي رميم، أي هو يحشرهم لا غير، وفي الالتفات والتعرض لعنوان الربوبيةِ إشعارٌ بعلة الحكم، وفي الإضافة إلى ضميره عليه الصلاة والسلام دَلالةٌ على اللطف به عليه الصلاة والسلام {إِنَّهُ حَكِيمٌ} بالغُ الحكمة متقِنٌ في أفعاله، فإنها عبارةٌ عن العلم بحقائق الأشياء على ما هي عليه، والإتيانِ بالأفعال على ما ينبغي {عَلِيمٌ} وسِع علمُه كل شيء، ولعل تقديمَ صفةِ الحكمة للإيذان باقتضائها للحشر والجزاء.
{وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان} أي هذا النوع بأن خلقناأصله وأول فرد من أفراده خلقاً بديعاً منطوياً على خلق اسئر أفراد انطواء اجمالياً كما مر تحقيقه في سورة الأنعام {مِن صَلْصَالٍ} من طين يابس غير مطبوخ يصلصل أي يصوت عند نقرة قبل اذا توهمت في صوته مدا فهو صليل وإن توهمت فيه ترجيعاً فهو صلصلة وقيل هو تضعيف صل إذانتين {مِّنْ حَمَإٍ} من طين تغير وأسود بطول مجاورة الماء وهو صفة لصلصال أي من صلصال كائن من حم{مَّسْنُونٍ} أي مصور من سنة الوجه وهي صورته أو مصبوب من سن الماء صبه أي مفرغ على هيئة الآنسان كما يفرغ الصور من الجواهر المذابة في القوالب وقيل منتن فهو صفة لحما وعلى الأولين حقه أن يكون صفة لصلصال وإنما أخر عن حمنتبيها على أن ابتداء مسنونيته ليس في حال كونه صلصالاً بل في حال كونه حمكأنه سبحانه أفرغ الحمأ فصور من ذلك تمثال انسانا أجوف فيبس حتى اذا نقر صوت ثم غيره الى جوهر آخر فتبارك الله أحسن الخالقين.